الشريف المرتضى

237

الذخيرة في علم الكلام

واعتراضهم بطول المدة . ليس بشيء أيضا ، لأن طول المدة كقصرها في هذا الباب بدلالة ما ذكرناه من المثال ، ولهذا نقول : إن أهل الجنة لا بد أن يذكروا أحوالهم في دار الدنيا أو أكثرها . واعتذارهم بما تخلل بين الحالين من زوال وفقد الكمال . غير صحيح ، لان أحدنا قد يذكر في يومه ما فعله بأمسه ، وان تخلل بين الحالين يوم ، يجري في إزالة العقل مجرى الثواب ، وقد يذكر أيضا من الأمور ما تخلل دونه جنون أو سكر أو إغماء . وليس لهم أن يقولوا : جوّزوا أن تكون المدة التي كلفوا فيها مثل حال الطفولية فعصوا كانت يسيرة « 1 » جدا فلهذا نسيت . وذلك أن النسيان انما يتوجه في الأمور اليسيرة والحقيرة إذا كانت معتادة ، فأما إذا كانت غير معتادة فلا يجوز أن ينسى وان قلّ زمانها ، ولو أن رجلا لم ير فيلا قط ثم سافر إلى بلد الفيلة فرآها في أقصر زمان لم يجز أن ينسى ذلك حتى لا يذكر مع التذكر لأجل قصر زمانه . وقد بينا أن هذا لو اتفق في واحد وجماعة لم يجز أن يتفق في جميع العقلاء ، وان اتفق في وقت واحد لم يجز أن يتفق في كل وقت . دليل آخر : ويدل على ما ذكرناه أن من حق الألم المفعول على وجه العقوبة والاستحقاق : أن لا يجب الرضا به والصبر عليه ، ويحسن ممن يفعل به أن يهرب منه ويخدع . وذلك كله بخلاف حكم الأمراض التي يفعلها اللّه تعالى ، لأنا متعبدون بالصبر عليها والرضاء بها ، وأن لا نجزع منها ولا نشكوها ، لأنها نعم في الحقيقة ، فعلمنا بما ذكرناه بأن الأمراض ليست بعقوبات .

--> ( 1 ) في ه « سيرة » .